النويري

20

نهاية الأرب في فنون الأدب

يتكلَّم على باب الكواكب السبعة ، فإني سوف ألقى روحانيّة الكواكب على تلك الصور فتنطق . وإذا فرغت من ذلك فاجعل لكل مرتبة من المراتب التي قسمتها بابا من تلك الأبواب ، وليكن باب الأسد لأهل بيت المملكة ، وسائر الأبواب لسائر المراتب . فإذا تقدّم الخصمان إلى شئ من تلك الصور التصقت بالظالم وشدّت عليه شدّا عنيفا يؤلمه حتى يخرج لخصمه من حقّه ، الذكر للذكر ، والأنثى للأنثى ، فيعرف بذلك المظلوم من الظالم ، ومن كان له قبل أحد حقّ ودعاه إلى تلك الصور فلم يجئ معه فأتاه المظلوم ، وقد عرّف الصورة ذلك ، أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه ولم يتحرّك . فاستراح الملك إلى تلك الصورة . ولم تزل على ذلك حتى أزالها الطوفان مع ما أزال من أعمالهم وطلَّسماتهم وعجائبهم . وعملت في أيام سهلوق أعمال كثيرة ، وكتبت سيرته وما عمل من العجائب في مصحف . وعمل عقاقير كثيرة وتماثيل ومحرّكات وصنعة ، وأمر أن يحمل ذلك كلَّه إلى ناووس عمله لنفسه في الجبل الغربىّ ونقل اليه حكمه . وهلك بعد أن ملك تسعا وستين سنة وحمل إلى ناووسه ، وأقام أهل المملكة ووجوه المدينة ونساؤهم عند ناووسه شهرا يبكون عليه ويتوجّعون عنده ، واغتّموا عليه غمّا لم يغتمّوه على ملك قبله ، وأقاموا لناووسه سدنة يخدمونه . وملك بعده ابنه سوريد بن سهلوق ؛ وكان أبوه قد قلَّده الملك قبل مهلكه ، فملك واقتفى سيرة أبيه في العمارة ومصالح البلد والإنصاف بين الناس والأخذلهم من نفسه وأهل بيته ، وعمل الهياكل وبنى المنارات ، ونصب الأعلام والطَّلَّسمات فأحبّه الناس . وبنى بالصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها عجائب كثيرة . وهو أوّل من جبى الخراج بمصر ، وألزم أهل الصناعات على أقدارهم ، وأوّل من أمر بالإنفاق على الزّمنى والمرضى من خزائنه . وعمل مرآة من أخلاط كان ينظر منها جميع الأقاليم ما أخصب منها وما أجدب وما حدث فيها ، وكانت المرآة على منارة من النحاس وسط مدينة أمسوس ،